الشوكاني

222

فتح القدير

سورة الأعراف الآية ( 82 - 84 ) قوله ( ولوطا ) معطوف على ما سبق : أي وأرسلنا لوطا أو منصوب بفعل مقدر : أي واذكر لوطا وقت قال لقومه . قال الفراء : لوط مشتق من قولهم : هذا أليط بقلبي : أي ألصق قال الزجاج : زعم بعض النحويين أن لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت الحوض إذا ملسته بالطين ، وهذا غلط ، لأن الأسماء الأعجمية لا تشتق . وقال سيبويه نوح ولوط أسماء أعجمية إلا أنها خفيفة ، فلذلك صرفت ، ولوط هو ابن هاران بن تارخ ، فهو ابن أخي إبراهيم ، بعثه الله إلى أمة تسمى سدوم ( أتأتون الفاحشة ) أي الخصلة الفاحشة المتمادية في الفحش والقبح ، قال ذلك إنكارا عليهم وتوبيخا لهم ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) أي لم يفعلها أحد قبلكم ، فإن اللواط لم يكن في أمة من الأمم قبل هذه الأمة ، و " من " مزيدة للتوكيد للعموم في النفي ، وإنه مستغرق لما دخل عليه ، والجملة مسوقة لتأكيد النكير عليهم والتوبيخ لهم . قوله ( إنكم لتأتون الرجال شهوة ) قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة . وقرأ الباقون بهمزتين على الاستفهام المقتضى للتوبيخ والتقريع واختار القراءة الأولى أبو عبيد والكسائي وغيرهما ، واختار الخليل وسيبويه القراءة الثانية ، فعلى القراءة الأولى تكون هذه الجملة مبينة لقوله ( أتأتون الفاحشة ) وكذلك على القراءة الثانية مع مزيد الاستفهام وتكريره المفيد للمبالغة في التقريع والتوبيخ ، وانتصاب شهوة على المصدرية : أي تشتهونهم شهوة ، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال : أي مشتهين ، ويجوز أن يكون مفعولا له : أي لأجل الشهوة ، وفيه أنه لا غرض لهم بإتيان هذه الفاحشة إلا مجرد قضاء الشهوة من غير أن يكون لهم في ذلك غرض يوافق العقل ، فهم في هذا كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض لما يتقاضاها من الشهوة ( من دون النساء ) أي متجاوزين في فعلكم هذا للنساء اللاتي هن محل لقضاء الشهوة وموضع لطلب اللذة ، ثم أضرب عن الإنكار المتقدم إلى الاخبار بما هم عليه من الإسراف الذي تسبب عنه إتيان هذه الفاحشة الفظيعة . قوله ( وما كان جواب قومه ) الواقعين في هذه الفاحشة على ما أنكره عليهم منها ( إلا أن قالوا أخرجوهم ) أي لوطا وأتباعه ( من قريتكم ) : أي ما كان لهم جواب إلا هذا القول المباين للإنصاف المخالف لما طلبه منهم وأنكره عليهم ، وجملة ( إنهم أناس يتطهرون ) تعليل لما أمروا به من الإخراج ، ووصفهم بالتطهر يمكن أن يكون على حقيقته ، وأنهم أرادوا أن هؤلاء يتنزهون عن الوقوع في هذه الفاحشة فلا يساكنونا في قريتنا ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك على طريق السخرية والاستهزاء ، ثم أخبر الله سبحانه أنه أنجى لوطا وأهله المؤمنين به ، واستثنى امرأته من الأهل لكونها لم تؤمن به ، ومعنى ( كانت من الغابرين ) أنها كانت من الباقين في عذاب الله ، يقال غير الشئ إذا مضى ، وغبر إذا بقي فهو من الأضداد . وحكى ابن فارس في المجمل عن قوم أنهم قالوا : الماضي عابر بالعين المهملة ، والباقي غابر بالمعجمة . وقال الزجاج : ( من الغابرين ) أي من الغائبين عن النجاة . وقال أبو عبيد : المعنى ( من الغابرين ) أي من المعمرين وكانت قد هرمت ، وأكثر أهل اللغة على أن الغابر الباقي . قوله ( وأمطرنا عليهم مطرا ) قيل أمطر بمعنى إرسال المطر . وقال أبو عبيدة : مطر في الرحمة وأمطر في العذاب . والمعنى هنا : أن الله أمطر عليهم مطرا غير ما يعتادونه وهو رميهم بالحجارة كما في قوله - وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل - ( فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) هذا خطاب لكل من يصلح له ، أو لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وسيأتي في هود قصة لوط بأبين مما هنا .